الانسان قبل الأديان


الانسان قبل الأديان :-جاء فى مقدمة كتاب “فجر الضمير” لعالم الآثار و التاريخ الأمريكى “جيمس هنرى بريستد” :-لقد كان أعظم كشف جاوز حد المألوف هو أننا عرفنا أن حكمة “أمنموبى” التى حفظت لنا فى ورقة مصرية بالمتحف البريطانى قد ترجمت الى العبرية فى الأزمان الغابرة و أنه بذيوعها فى كنعان (فلسطين) صارت مصدرا استقى منه جزء بأكمله من كتاب الأمثال فى التوراه .فكم من قس حديث طلب اليه أن يعظ جماعة من رجال الأعمال قد قوى موعظته باقتباسه العبارة التالية من سفر الأمثال (هل ترى رجلا جادا فى التجارة , انه سيحظى بالمثول أمام الملوك ) . على أنه ليس من المحتمل أن أى قس من هؤلاء قد مهد لعظته بملاحظة تدل على أن ما اقتبسه قد نقله ناشر الأمثال العبرية من كتاب مصرى فى الحكمة الخلقية أقدم من التوراه بكثير . لقد أضاف هذا الكشف أهمية بعيدة المدى الى الحقيقة القائلة بأن التقدم الحضارى فى الممالك التى تحيط بكنعان كان أقدم بعدة آلاف من السنين من التقدم العبرى . و لقد أصبح الآن من الواضح الجلى أن التقدم الاجتماعى و الخلقى الناضج الذى أحرزه قدماء المصريين فى وادى النيل الذى يعد أقدم من التقدم العبرى 

بثلاثة آلاف سنه قد ساهم مساهمة فعلية فى تكوين الأدب العبرى الذى نسميه نحن “التوراه” . 
و على ذلك فان ارثنا الخلقى مشتق من ماضى انسانى واسع المدى أقدم بدرجة عظيمة من ماضى العبرانيين . و أن هذا الارث لم ينحدر الينا من العبرانيين , بل جاء عن طريقهم , و الواقع ان نهوض الانسان الى المثل الاجتماعية قد حدث قبل أن يبدأ ما يسميه رجال اللاهوت ب “عصر الوحى” بزمن طويل . و أن هذا النهوض نتيجة للخبرة الاجتماعية التى مارسها الانسان نفسه , و لم يزج الى هذا العالم من خارجه . 
ان ما نحتاج اليه نحن أبناء الجيل الحاضر أكثر من أى شئ آخر هو الثقة فى الانسان . 
حيث يعد الكشف عن الاخلاق هو أسمى عمل تم على يد الانسان من بين كل الفتوح التى جعلت نهوضه فى حيز الامكان . و قد انبثق عصر “فجر الضمير” و الأخلاق على العالم دون أن يزج به من العالم الخارجى عن طريق منهاج خفى يسمى “الالهام” أو “الوحى” , بل كان منشؤه حياة الانسان نفسه . 
و يرجع ذلك الانبثاق الى مدة ألفى سنه قبل بداية عصر وحى رجال اللاهوت , فأضاء ظلمة الحيرة الاجتماعية و الكفاح الباطنى فى نفس الانسان . فكان بذلك دليلا قاطعا على قيمة الانسان . و مهما قيل ان 
نورا سماويا ساقته القدرة الالهية على كنعان (فلسطين) خاصة فان 
ذلك يحرم الانسان من التحلى بتاج فخار حياته الذى ناله على الأرض . 
و أعنى بذلك التاج كشفه للاخلاق , فانه يعد على ما نعلم أعظم 
كشف حدث فى مجال حياة التطور البشرى .