سجاح التميمية




سجاح التميمية


من سجاح التميمية؟
هي سجاح بنت الحارث بن سويد التميمية، كانت سجاح متنبِّئة وعرافة، وهي واحدةٌ من طائفة المتنبِّئين وزعماء القبائل الذين ظهروا في الجزيرة العربية قبل الردَّة أو خلالها، ونستدلُّ من نسبها الذي اتَّضح من تاريخها بأنَّه صحيح، أنَّها كانت من بني يربوع أحد بطون تميم، وأمَّها من بني تغلب في العراق؛ وهي قبيلةٌ اعتنق معظم أفرادها النصرانية نتيجة احتكاكهم بسكان إقليم الفرات، أقامت سجاح بينهم، وتزوَّجت فيهم، وتنصَّرت مع من تنصَّر منهم[1].
تقع منازل بني تميم على مقربةٍ من بني عامر إلى الجنوب، وتُجاور المدينة من الشرق، وتمتدُّ نحو الخليج العربي، وتتَّصل بمصبِّ نهر الفرات من ناحية الشمال. وكانت فروعٌ من القبيلة تتمتَّع بحقول الرعي في أنحاءٍ تمتدُّ إلى الفرات الأوسط.
ولبني تميم مكانةٌ كبيرة بين قبائل العرب في الجاهلية وفي عصر النبوَّة، واشتهر التميميُّون بالشجاعة والكرم، ونبغ من بينهم شعراء وأبطال تلقَّبوا بلقب الملوك[2].

العامل الجغرافي وأثره على ظهور حركة التنبؤ
الواضح أنَّ هذا الامتداد الجغرافي لقبيلة بنى تميم أدَّى إلى:
- تنقُّل بطونها بين الجزيرة العربية والعراق في ميدانٍ واسعٍ يشيع فيه التوتر بين كلا المركزين الكبيرين الحيرة ومكَّة، لكنَّهم اتَّخذوا موقف الحياد في علاقاتهم السياسيَّة مع كليهما، وكان من الواضح أنَّ العلاقات المنظَّمة والمنضبطة بين بني تميم كانت تبلغ الأهميَّة عند أمراء الحيرة وبالتالي الفرس؛ من واقع ضمان مرور القوافل التجاريَّة دونما عائق، والمعروف أنَّ تجارة فارس كانت تنطلق من المدائن[3] حتى تصل إلى الحيرة؛ حيث يتولى النعمان بن المنذر حراستها بقوى من بني ربيعة ثُمَّ يتسلمها هوذة بن عليِّ الحنفي، فيسير بها في أرض تهامة إلى أن تبلغ اليمن -وذلك لقاء أجر- وعليه كانت العلاقات جيِّدة بين الفرس وبين البطون الضاربة على هذا الطريق التجاري، وحاولت فارس ربطهم بها عن طريق منح يربوع وظيفة الردافة. ومن جهةٍ أخرى أقامت بطون متفرقة من تميم علاقاتٍ مكثَّفةً مع مكَّة في العصر الجاهلي من واقع تنظيم الخمس، وعهود الإيلاف، والحصول على السلطة، والتقدُّم في الأسواق، وفي أداء شعائر الحج، ومنهم من ارتبط في الفضائل العسكرية التي كانت تُقدِّمها القبائل لحراسة مكَّة.
- انتشار النصرانية في ربوع بني تميم بتأثير ما كان سائدًا من مذاهب نصرانيَّة في الجزيرة الفراتية وشمال بلاد الشام.
- تعدُّد الولاءات في صفوف القبيلة سياسيًّا بين الاستقلاليَّة وبين الهيمنة الفارسيَّة أو البيزنطيَّة، ودينيًّا بين الوثنيَّة والنصرانيَّة.
- ظلَّ المركز الممتاز لبني تميم محفوظًا حتى السنين الأخيرة من العصر الجاهلي، بدليل أنَّ التميميَّ الأخير الذي كان يُمارس وظيفة القاضي الفخرية في سوق عكاظ هو الأقرع بن حابس.
في ظلِّ هذه الظروف ونتيجةً لانتشار الإسلام في ربوع الجزيرة العربية قَدِمَ وفد بني تميم إلى المدينة في عام (9هـ/ 630م)؛ لتقديم الطاعة والولاء وإعلان دخول التميميِّين في الإسلام، وضمَّ الوفد بعض أشرافهم مثل عطارد بن حاجب بن زرارة، والأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، ولم يكن مالك بن نويرة ضمن أعضاء الوفد. والإشارات التي تذكر أنه توجَّه بمفرده إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم لاعتناق الإسلام قد تكون صحيحة؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عيَّنه عاملًا على صدقات عشيرته بني يربوع، وردَّهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى قومهم راضيةً نفوسهم[4].
اختلف بنو يربوع بعد وفاة النبيِّ صلى الله عليه وسلم حول أداء الزكاة إلى أبي بكرٍ أو قسمتها بين الناس، وفاجأتهم سجاح في هذا الوقت مقبلةً من أرض الجزيرة بالعراق يُحيط بها رهطها من بني تغلب على رأس جيشٍ من ربيعة والنمر وأياد وشيبان تُريد غزو المدينة، مَّما أدَّى إلى ازدياد الانقسام فيما بينهم.

إعلان سجاح بنت الحارث نبوَّتها
كانت سجاح قد تنبَّأت بعد وفاة النبيِّ صلى الله عليه وسلم أسوةً بغيرها من المتنبِّئين، بدافع العصبية أو بحبِّ الظهور، فاستجاب لها الهذيل بن عمران في بني تغلب وترك التنصر، ولم تجد إلا القليل من التجاوب عند قومها.
لمـَّا وصلت إلى الحزن[5] راسلت بطون تميم ودعتهم إلى الموادعة والمعاضدة، واستقطبت -بما بشَّرت به من ادعاءات- بني مالك برئاسة وكيع بن مالك، وبني يربوع بزعامة مالك بن نويرة[6].
استغلَّ مالك بن نويرة هذه القوَّة للقضاء على خصومه من عشائر بني تميم، فصرفها عن مهاجمة المدينة وأقنعها بمهاجمة بني الرباب، غير أنَّها منيت بهزيمةٍ قاسيةٍ وتكبَّد الطرفان خسائر فادحة ممَّا دفعهما إلى التفاهم وتبادل الأسرى[7]، ونتيجةً لهذا الفشل انفصل مالك بن نويرة عنها.
سعت سجاح بعد فشلها في إخضاع الرباب إلى مهاجمة المدينة، ودعت قومها بني يربوع إلى مساندتها فطلبوا منها أن تُؤلِّف بطون تميم إلى دينها قبل الزحف نحو الحجاز لمحاربة المسلمين، فلم يتَّفق بنو تميم على رأيٍ واحد، عندئذٍ خرجت بجندها حتى بلغت النباج[8]، فتصدَّى لها أوس بن خزيمة الهجيمي وهزمها، ومنع جندها من المرور في أراضيه، ثُمَّ تحاجز الفريقان واتَّفقا على تبادل الأسرى على أن تنصرف عنهم ولا تتخذ طريقًا إلى المدينة إلَّا من ورائهم[9].

زواج سجاح بنت الحارث من مسيلمة الكذاب
لمـَّا رأت إحجامًا من قومها التفتت نحو اليمامة حيث كان مسيلمة الكذاب يتحفَّز كذلك للخروج على الإسلام، وانتشرت أخبار دعوته في الجزيرة العربية، إلَّا أنَّه وجد نفسه في وضعٍ حرج؛ فقد خشي أن تشغله سجاح عن قتال أبي بكرٍ في الوقت الذي كان يترقَّب فيه زحف المسلمين إليه، كما كان يتعرَّض لضغط القبائل المجاورة، لذلك عرض عليها التفاهم والتعاضد ما دام هدفهما واحدًا وهو الزحف نحو الحجاز، وأسفرت المفاوضات التي جرت بينهما عن النتائج التالية:
- التقارب الأسري بالزواج.
- دمج قدراتهما لمواجهة المسلمين والسيطرة على الجزيرة العربية.
- يُؤدِّي مسيلمة لسجاح نصف غلَّات اليمامة[10].
فعلًا تمَّ الزواج بينهما، وأقامت سجاح مع مسيلمة مدَّة ثلاثة أيام[11] عادت بعدها إلى قومها في أرض الجزيرة دون سببٍ ظاهر، حاملةً معها شطر النصف ممَّا اتفقا عليه، وتركت وراءها ممثِّليها مع مسيلمة ممن سيحملون لها النصف الآخر، وأقبلت في غضون ذلك الجيوش الإسلامية فاجتاحت اليمامة وقتلت مسيلمة.
ظلت سجاح في بني تغلب تعيش مغمورةً بين أهلها، ثُمَّ دخلت في الإسلام عندما انتهى رأي أسرتها إلى الاستقرار في البصرة التي غدت المركز الأوَّل لبني تميم في عهد بني أميَّة، وعاشت مسلمة وماتت في سنة (55هـ/ 675م)[12].

دوافع سياسيَّة ومطامع شخصيَّة لا حَميَّة دينيَّة
قد يبدو للوهلة الأولى أنَّ سجاح كانت مدفوعة بحميَّتها الدينيَّة لمحاربة المسلمين -فهي بحكم عقيدتها النصرانية نقمت على محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وأتباعه- أو للتبشير بدينٍ جديدٍ على إثر انتشار ظاهرة التنبُّؤ في الجزيرة العربية، لكنَّ هذين الدافعين كانا غطاءً لدافعٍ سياسيٍّ يُعدُّ الدافع الرئيسي لحركتها؛ فقد كان بنو يربوع أقرب بطون تميم إلى نفوذ الفرس، يُعزِّز ذلك أنَّها اجتمعت أثناء رحلتها بعملاء لفارس من أبناء البوادي العراقية والنجدية[13]، كما كان مسرح عملياتها المناطق التي كانت فارس تحرص على تجديد نفوذها القديم فيها، وعليه تكون مهمَّة هذه المتنبِّئة قد توضَّحت على هذه الصورة؛ فقد قضت وقعة ذي قار[14] على هيبة فارس في الجزيرة العربية، وساء ظنُّ الأكاسرة حكَّام فارس بالمناذرة ملوك الحيرة الذين كانوا صنائعهم ويعتمدون عليهم في إخضاع القبائل العربية القريبة والبعيدة وتأمين تجارتهم إلى اليمن. فنكَّلوا بهم وقضوا على دولتهم قبيل ذلك بقليل، فأرسلوا امرأةً تغلبيَّةً لتخلف المناذرة في هذه المهمَّة القديمة، فانحدرت مدفوعةً من الفرس وعمَّالهم في العراق كي تُؤجِّج الثورة في الجزيرة العربيَّة على الحكم الإسلامي المتنامي، وتُمهِّد الطريق لفارس لاستعادة ما كان لها من نفوذٍ وسلطانٍ في كثيرٍ من أرجائها، وقد يرجِّح ذلك أنَّها كانت المرأة الوحيدة التي ادَّعت النبوَّة، وأنَّها لم تمكث في الجزيرة العربيَّة إلَّا بقدر ما تُشجِّع الانتقاض على الحكم الإسلامي، ثُمَّ عادت إلى العراق بعد أن تأكَّدت من تهيُّؤ القبائل للثورة على هذا الحكم، وكان طبيعيًّا أن تنزل في بادئ الأمر بين قومها بني تميم، وقد اختارت أن تتعاون مع بني تغلب؛ لأنَّ هؤلاء أعداء بني بكر الذين خاضوا معركة ذي قار ضدَّ الفرس وانتصروا عليهم، وكان تردُّد بني تميم وانقسامهم في التعامل الجديِّ معها بالإضافة إلى بني حنيفة، مردَّه إلى صداقتهم للمناذرة منذ زمنٍ قديم، وحتى يتجنَّبوا غضب فارس، كانت الطريقة الفضلى في صرفها راضيةً، وإقناعها بأنَّ الثورة على الإسلام واقعة، ولم يتحقق أكثر من ذلك عن رسالتها وسيرتها[15].

          المصدر: كتاب تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية لمحمد سهيل طقوش.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الطبري: ج3 ص272.
[2] المصدر نفسه: ص116.
[3] المدائن: عاصمة ملوك بني ساسان الأكاسرة، بناها كسرى أنوشروان بن قباذ، وأقام بها هو ومن أتى بعده من ملوك بني ساسان إلى أيام عمر بن الخطاب، واسم المدائن بالفارسيَّة طيغون، وإنَّما سمتها العرب المدائن؛ لأنَّها تتألف من سبع مدن. الحموي: ج5 ص74، 75.
[4] ابن سعد: ج1 ص293، 294، والطبري: ج3 ص115.
[5] الحزن: بلاد يربوع من جهة الكوفة، وهي أطيب البادية مرعى. الحموي: ج2
ص254، 255.
[6] الطبري: ج3 ص115.
[7] الطبري: ج3 ص115، 270، 271.
[8] النباج: موضع بين البصرة ومكة. الحموي: ج5 ص255، 256.
[9] الطبري: ج3 ص271.
[10] المصدر نفسه: ص273- 275.
[11] البلخي: ج2 ص198.
[12] الطبري: ج3 ص275.
[13] العقاد، عباس محمود: عبقرية خالد: ص77.
[14] ذي قار: اسم مجرى من الماء في منازل بكر بن وائل بين واسط والكوفة، وقد نُسب
إليه يومٌ من أيَّام العرب وقع بين هذه القبيلة والفرس وكانت الغلبة فيه لبكر، وهو بعد من
أشهر أيَّام العرب وأمجدها. انظر دائرة المعارف الإسلامية: ج9 ص398.
[15] العقاد: ص77.
.........................................................................
منقول من موقع قصة الاسلام للدكتور راغب السرجاني